سبعة أسباب لإصدار السندات السيادية (أو الصكوك) من الحكومات الخليجية

أثار الانخفاض الذي شهدته أسعار النفط جدلًا واسعًا تناول مدى التأثير الذي أحدثه هذا الانخفاض على ميزانيات دول مجلس التعاون الخليجي، ولكن الحقيقة التي يجهلها الكثيرون هي القدرة الاقتراضية الهائلة التي تتمتع بها معظم حكومات تلك البلدان فضلًا عن ما تملكه من احتياطيات الصناديق السيادية وما تتمتع به من أوضاع ائتمانية قوية إلى جانب أنها لم تستغل أسواق رأس المال الاستغلال الأمثل

. وفي هذا المقال، يتم استخدام مصطلحات "الدين" و "الاقتراض" بشكل عام، ولكننا قد يتم استخدام مصطلحات مثل "الصكوك" أو غيرها من السندات التقليدية بنفس القدر طالما أنها تعبر عن الملامح الاقتصادية المشابهة لمحرر السندات. ونورد فيما يلي سبعة أسباب وراء ضرورة إصدار السندات من قبل حكومات دول مجلس التعاون الخليجي.

١.    التصنيف الائتماني المرتفع للحكومات الخليجية حيث حققت دول الإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت التصنيف الائتماني (Aa2/AA)، فيما تراجع التصنيف الائتماني للسعودية نقطة واحدة عن هذه الدول ليصبح (-Aa2/AA) وفقًا للتصنيف الائتماني الصادر عن مؤسستي موديز وستاندرد آند بورز على التوالي.

٢.    تُعد السندات السيادية لدى دول مجلس التعاون الخليجي بمثابة "ائتمان نادر" ولذلك فهي تلقى ترحيب مستثمري السندات الدوليين.

٣. أسعار الفائدة مستقرة عند مستويات منخفضة للغاية: في نهاية يناير، وصلت عائدات سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات (والتي تُعد مرجعًا لعائدات السندات السيادية الأخرى) إلى ١.٧٧%، ثم ارتفعت بعد ذلك إلى ١.٩٢% وهي تكلفة تمويل ما تزال منخفضة للغاية قياسًا بالمعايير السابقة.

٤. من المتوقع أن تشهد أسعار الفائدة ارتفاعًا عن مستوياتها الحالية: على الرغم من التصريحات الأخيرة التي صدرت عن النظام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والتي قلّلت من التوقعات التي تشير لحدوث ارتفاع وشيك في أسعار الفائدة، ولكنني ما زلت أرى بأن أسعار الدولار ربما تشهد على الأرجح ارتفاعًا عن مستوياتها الحالية على المدى البعيد.

٥. يمكن لحكومات دول مجلس التعاون الخليجي أن تساعد على تطوير أسواق رأس المال المقترض لديها من خلال التحلي بمبادئ الريادة ووضع منحنى "معياري" للعائدات: وقد أصبح هذا الأمر ملموسًا في الوقت الحالي أكثر من أي وقت سابق، خاصة وأن الصناديق السيادية لدى دول مجلس التعاون الخليجي بدأت تقلص من الميزانيات وأصبح هناك عبء أكبر على القطاع الخاص في تحقيق التنمية الاقتصادية.

٦. السندات السيادية هي السندات الأقل تكلفة لتمويل عجز الميزانية: تجددت المناقشات والجدل بشأن فرض ضريبة قيمة مضافة في كافة دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تُلوّح الكويت بفرض ضريبة على المؤسسات المحلية. وتُعد الضرائب طريقة معتادة لتمويل العجز في الميزانية، إلا أن رفع الدين يجب أن يُعطى أولوية على هذا الإجراء، نظرًا لأن تأثيره على الاقتصاد المحلي والمستهلكين يكون محدودًا وغير مباشر بنفس القدر الذي تُحدثه الضرائب.

٧. الإصدار بالدولار الأمريكي سوف يمنح اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي احتياطي من العملات الأجنبية: تتزايد قوة الدولار الأمريكي أمام جميع العملات في الأسواق الرئيسية العالمية والناشئة وهو ما يخلق مزيدًا من الضغط على اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة دبي التي تعتمد جزئيًا على العائدات السياحية التي تحققها من خلال الزائرين من دول مثل منطقة اليورو وروسيا والهند والتي انخفضت القدرة الشرائية بها. وسوف يؤدي الإصدار بالدولار الأمريكي في الوقت الحالي، في الوقت الذي تشهد فيه العملة وضعًا قويًا، إلى منح اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي احتياطي وافر من العملة الأجنبية. ويمكن استخدام هذا الاحتياطي في استيراد المعدات المطلوبة في مجال البنية التحتية من دول مثل اليابان أو ألمانيا والتي شهدت عملاتها تراجعًا حادًا بالتزامن مع النفط. وعلى النقيض، يمكن إعادة سداد هذا الدين في المستقبل في أوقات تداول الدولار الأمريكي (الذي يتم تحديد عائدات النفط بناءً عليه) بمستويات أفضل.

هل هناك عجز في الميزانية يجب تمويله؟ ولماذا لا يتم خفض الميزانية بدلًا من ذلك؟ هناك عدة طرق تستخدمها الحكومات للتعامل مع انخفاض أسعار النفط، من بينها تقليص الميزانيات تمشيًا مع انخفاض العائدات، والحفاظ على الميزانيات والاعتماد على الاحتياطي، مثل الاحتياطي الموجود بالصناديق السيادية، وزيادة العائدات غير النفطية من خلال زيادة الضرائب أو غيرها من وسائل الدخل الحكومي مثل الرسوم الحكومية، وبالطبع، زيادة الدين! وبالنسبة للحكومات التي تشهد احتياطي واسع وقدرة على زيادة الدين، تكون هناك العديد من الفوائد لوضع ميزانية معاكسة لمسار الدورة الاقتصادية:

- تعزيز الاقتصاد في الوقت الذي تشهد فيه عائدات النفط والغاز انخفاضًا، وتتسبب المخاطر في إبطاء النمو الاقتصادي بالكامل

- أحد الأهداف الرئيسية بعيدة المدى أمام حكومات دول مجلس التعاون الخليجي هو تسريع وتيرة التنويع بعيدًا عن عائدات النفط

- تجنُب أي قلاقل اجتماعية لاسيما في ظل البيئة الجيوسياسية المضطربة الحالية
 

ما هي مسارات التمويل البديلة؟ لماذا يجب أن يكون الدين جزء من الحل على الأقل؟

كما رأينا بالفعل مع معظم ميزانيات دول مجلس التعاون الخليجي، فإن الحكومات بشكل عام قد اتخذت القرار الصحيح بالحفاظ على الميزانيات. ويُعد الإنفاق السيادي في معظم هذه الدول عاملًا رئيسيًا لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومن المرجح أن تكون هذه هي الاستراتيجية الصحيحة. وفيما يتعلق بتمويل الميزانية، يبدو الاعتماد على الاحتياطي الهائل للصناديق السيادية فكرة طبيعية. ما هي تكلفة الفرصة فيما يتعلق بالاعتماد على احتياطي الصناديق السيادية مقارنة بإصدار السندات السيادية؟

وتكمن الإجابة عن هذا السؤال في تكلفة السندات الحكومية أو الصكوك مقارنة بمتوسط العائد الناتج عن الصناديق السيادية، ويُعد هذا سؤالاً محيراً إذ أن تكلفة إصدار الدين يمكن تقديرها بسهولة أكبر فضلاً عن إمكانية ملاحظتها بشكل أكثر شفافية عن متوسط العائد على الصناديق السيادية. وعلى الرغم من ذلك، فيمكن للشخص أن يحتج بأن متوسط العائد على الصناديق السيادية يجب أن يكون دوماً أعلى من تكلفة التمويل الحكومي. وتشير الحقيقة المنطقية هنا أن الصناديق السيادية يجب أن ينتج عنها عائدات طويلة الأمد للغاية للأجيال القادمة، ويجب أن تُسهم هذه الأهداف الاستثمارية الطويلة الأمد في تحقيق عائدات أعلى بكثير من الديون الحكومية من الدرجة الاستثمارية.

أليست الديون من الأشياء السيئة؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فمتى تبدأ الديون الكبيرة للغاية في إحداث المشاكل؟ يفترض المنطق السليم أن الدين هو عنصر قابل للاستمرار في التمويل السيادي، ولا سيما بالنسبة لأولئك الذين يتمتعون بمصادر قوية بديلة للتمويل ومنها على سبيل المثال الموارد الطبيعية  الوافرة والقدرة على تحصيل الضرائب.

كما يشير المنطق السليم أيضاً أن الديون الكبيرة للغاية قد تكون لها آثار سلبية، يجب ألا يكون هناك كيان سيادي (سواءً شركات أو أفراد) "مولعاً" بالاستدانة أو لا يستطيع السيطرة على زيادة مستوى الديون وتكلفتها، ومن ثم فما هو مستوى الدين المقبول الذي يعتبر جزءاً من الميزانية العمومية للكيان السيادي؟ لا يوجد بالتأكيد "إجابة ملائمة لجميع الأوضاع" سهلة إذ أن حساب قدرة الاستدانة المثالية للكيان السيادي سيتطلب إجراء تحليل مستفيض لميزانية هذا الكيان السيادي وتدفقات العائدات وتوقعاتها.

وكمثال على ما سبق، فقد سن الاتحاد الأوروبي القوانين التي تحدد نسبة العجز في الميزانية إلى الناتج المحلي الإجمالي بـ ٣%، ونسبة إجمالي الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي بـ ٦٠%، وفي الوقت الذي تُعد فيه هذا القوانين مرجعاً رائعاً للغاية، فمن الضروري أن ندرك أيضاً أنه حتى دول الاتحاد الأوروبي قد انتقدتها على مدار السنوات وحاولت جعلها أكثر مرونة من خلال التغيير التدريجي لها.

ومع ذلك، فقد حدد صندوق النقد الدولي القيم التالية -كمرجع- بوصفها نسبة "إجمالي الدين الحكومي العام" إلى الناتج المحلي الإجمالي في بعض من دول مجلس التعاون الخليجي:
-

-       قطر ٣٤.٣%

-       الإمارات ١٧.١%

-       الكويت ٦.١%

-       المملكة العربية السعودية ٢.٧%

تُعد هذه القائمة المختصرة بمثابة رسالة تذكير جيدة للتنوع الذي نشهده في دول مجلس التعاون الخليجي على مستويات متعددة، وفي حالتنا هذه يتعلق التنوع بمستويات الاقتراض الحكومي. وفي جميع الحالات، فإن وجود إمكانيات كبيرة لتمويل الديون يُعد مؤشراً مطمئناً ولا سيما في الدولتين الأكبر اقتصادً وهما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، كما تستلزم النظرية الاقتصادية المنطقية وكذلك ضروريات تنمية الأسواق المالية وجود موجة من إصدار السندات السيادية بدول مجلس التعاون الخليجي.

ثمة دلائل محدودة لهذا وقت كتابة هذا التقرير إضافة إلى زيادة المناقشات المتعلقة بفرض الضرائب ومنها ضريبة القيمة المضافة وضرائب الشركات. واسمحوا لنا أن نعلق أمالنا على إمكانية أن تجعل الصكوك أو إصدار الدين هذه السندات جزءاً من حزمة التمويل النهائية لبعض الكيانات السيادية.

  This article was originally published in English by Entrepreneur Middle East at this link: http://www.entrepreneur.com/article/245265

تعليقات (0)

إضافة تعليق جديد

المؤلف
زياد عواد
التصنيفات
الاسواق المالية

RSS Feed