التكنولوجيا قد تحدث نقلة هائلة في قطاع الإنشاءات والعقارات مقدمة

على الرغم من أن العقارات تعد أكبر سلعة في العالم، حيث تبلغ قيمتها أكثر من 200 تريليون دولار، إلا أن هذا القطاع لا يزال متأخرا بدرجة كبير عن جميع القطاعات الأخرى في استخدام والاستعانة بالتحول التكنولوجي[1] . ألقى تقرير نشر في وقت سابق من هذا العام من قبل شركة برايس ووترهاوس كوبرز (PwC) ومعهد الأراضي الحضرية (ULI)  الضوء على هذه النقطة، حيث أكدا على نقص استخدام التكنولوجيا في هذا القطاع.  بدأ الآن استخدام، ما يطلق عليه " التكنولوجيا العقارية" رغم أن معدل استخدامها لا يزال بطيئا إلا أنها أدت إلى إحداث ثورة في قطاع العقارات. ظهور هذه التكنولوجيا يعود بنفع كبير على أصحاب المصلحة في القطاع بداية من تغيير الطريقة التي يتم بها تطوير العقارات إلى إدارة الاستثمارات وإدارتها، فضلا عن تحقيق مستويات أعلى من الكفاءة والأمن والإيرادات. تعتبر البيانات الضخمة ، والأمن السيبراني، والأتمتة ، والاقتصاد التشاركي مجرد عدد قليل من التقنيات التي يجرى استخدامها في القطاع ، وأعلن بأن لها أثر كبير في نمو القطاع وازدهاره . دعونا نلقي نظرة على بعض هذه الابتكارات التكنولوجية.

الواقع الافتراضي

أصبحت تقنية الواقع الافتراضي ، أو( VR ) كما هو معروف، أكثر شيوعا واستخداما على نحو متزايد بين المستثمرين والمطورين والمقاولين وأصحاب المصلحة الآخرين.  تجاوزت هذه التقنية استخدام الصور الثابتة، ومكنت الشركات من عرض مقاطع فيديو للعقارات بزاوية 360 درجة عبر الجولات الافتراضية ثلاثية الأبعاد للمساعدة في بيع ممتلكاتها.

في ظل الاستخدام المتزايد للإنترنت للبحث عن المنازل، أصبحت تقنية الواقع الافتراضي أكثر أهمية بالنسبة للشركات التي تتطلع إلى التميز في المنافسة. فعند عرض جولة ثلاثية الأبعاد للعقار، يمكن للمشترين أن يأخذوا انطباعاً سريعاً عن الموقع وأن ويحددوا في غضون دقائق ما إذا كانت الزيارة الشخصية للعقار جديرة بالاهتمام، مما يوفر الوقت والمال لكل من المستأجر المحتمل و سمسار العقارات. يمكن أيضًا استخدام تقنية الواقع الافتراضي لعرض مخطط وتصميم للعقار، مما يعطي المشترين المحتملين انطباعا بالمنتج النهائي، قبل اكتمال الإنشاء، بالإضافة إلى استخدامها بدلاً من تصميم الشقق المشيدة على مراحل منتظمة . تتيح تقنية الواقع الافتراضي الفرصة تجهيز العقار بدون الحاجة لدفع المزيد من الأموال لتجهيز الوحدة السكنية بالكامل وتزويدها بالأثاث . في المستقبل، من المرجح أن تتيح تقنية الواقع الافتراضي للمستأجرين الفرصة لتصميم منازلهم قبل الانتهاء من بنائها.

البيانات الضخمة

في النهاية، أصبح استخدام البيانات والتحليلات الضخمة هو الحل الأمثل لكي يلحق قطاع العقارات بركب القطاعات الأخرى، كما أن الفوائد التي تقدمها هذه التقنية ستؤدي إلى تغيير قواعد اللعبة في القطاع. تعمل البيانات الضخمة على تقليل المخاطر التي تنطوي عليها الاستثمارات العقارية لجميع أصحاب المصلحة، من المطورين و المستأجرين بداية من تبسيط البيانات إلى خلق الشفافية وتوفير تنبؤات أكثر دقة حول التقييمات المستقبلية.

تعني البيانات والتحليلات للعملاء إجراء عمليات شراء أكثر ذكاءً والحد من المخاطر. على سبيل المثال، تمكننا معرفة قيمة الأحياء المحلية أو العقارات المحلية بمرور الوقت اتخاذ قرارات أكثر استنارة ويمكنها حماية المشترين من الاستثمارات السيئة، على عكس وسائل تقييم العقارات القديمة مثل "نموذج التقييم الآلي" القديم الذي تستخدمه البنوك في الولايات المتحدة، مما أدى إلى زيادة قيمة العقارات وتقييمها. ومع ذلك ، يتم استخدام البيانات الضخمة بالفعل في محركات البحث حيث يبحث المشترون عن منزلهم المثالي.  وسيحقق ذلك تناسب وتكافؤ أفضل بين الأفراد والعقارات بناء على احتياجاتهم الفريدة ، في ذلك الحي  والقدرة على تحمل التكاليف، والمدارس والمجتمعات وما إلى ذلك.

على سبيل المثال ، تستخدم شركة زيلو للوسطاء العقاريين المبتكرين في الولايات المتحدة البيانات المتاحة لتزويد المشترين المحتملين بمعلومات عن كل شيء بداية من اتجاهات الأحياء المحلية، وصولاً إلى مدفوعات الرهن العقاري المقدرة وقيمة العقار بمرور الوقت. يتم جمع البيانات من مصادر متعددة بما في ذلك البيانات العامة والمسوح وظروف السوق ، ثم بعد ذلك يتم تطبيق هذه البيانات لتقديم التوقعات حول قيمة العقارات. من المؤكد أن هذه التوقعات ليست كاملة،  ولكنها شفافة و ترسم صورة أكثر دقة للمستقبل في الوقت الحالي أكثر من أي وقت مضى.

ومن خلال جمع ومعالجة البيانات حول الأحياء والمجتمعات، سيتمكن المطورين العقاريين من امتلاك رؤى أفضل لإنشاء عقارات تتوافق مع احتياجات سكانها. وعلاوة على ذلك ، ستخدم مثل هذه البيانات المشاريع الأوسع نطاقا مثل التخطيط المجتمعي، والتي سيكون لها آثار إيجابية كبيرة على التطورات المستدامة. من خلال تتبع المعلومات حول البيئة المحلية واستخدامها، فإن جمع البيانات حول كل شيء بدءاً من حركة المرور وصولاً إلى جودة الهواء واستخدام الطاقة سيتيح الفرص لإنشاء مبانٍ وأحياء أكثر ذكاءً ومصممة وفقًا لسلوك واحتياجات السكان.

أتمتة أعمال الإنشاء

إن أتمتة مواقع البناء أقرب بكثير مما يعتقده الكثيرون، لا سيما مع ظهور تقنيات مثل نمذجة معلومات البناء (BIM) والطباعة ثلاثية الأبعاد والتقدم الذي تم إحرازه في السنوات الأخيرة في صناعة الروبوتات. اليوم، تستخدم الشركات في جميع أنحاء العالم تقنية نمذجة معلومات البناء في بناء المباني. يحتوي النظام الأساسي على جميع المعلومات المتعلقة بتطوير مبنى معين، ويشمل ذلك كل شيء بدءًا من خطط التصميم والمواصفات إلى عمليات المحاكاة. يمكن الوصول إلى البيانات وتحديثها في الوقت الفعلي، وقد أثبت البرنامج فعاليته في تقليل الهدر وإدارة تدفقات العمل وأعداد وتنسيق الميزانيات. في الوقت الحالي، تستخدم الوكالات الحكومية أيضًا هذه التقنية في تصميم وبناء وإدارة البنى التحتية الحيوية مثل المياه والغاز والكهرباء والطرق والنقل.

ومع وجود تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد والروبوتات التي تلحق بتقنية نمذجة معلومات البناء، سيسهل البرنامج أيضًا استيعاب هذه التقنيات، ودعمها في أتمتة الإنشاءات. يتم استخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد اليوم لطباعة مكونات المبنى ، والقوالب، وعناصر التصميم الداخلي، وحتى المباني بأكملها. كانت الشركة الصينية وين صن(WinSun) أول شركة تقوم ببناء عشرة مبانٍ من المواد المعاد تدويرها في عام 2013 خلال 24 ساعة فقط باستخدام التكنولوجيا.  وفي ظل القدرة على بناء منزل في غضون أيام بدلا من أسابيع ، فإن هذا التكنولوجيا توفر قدرا كبيرا من الوقت والمال في عملية البناء ويصفها الكثيرين بأنها حل مثالي وبأسعار معقولة للعديد من الأزمات السكنية، بما في ذلك على سبيل المثال في المناطق المنكوبة و مخيمات اللاجئين. وتشير التقديرات إلى أن قيمة هذه الصناعة ستصل إلى 56.4 مليون دولار بحلول عام 2021 ، من خلال وجود اكبر المصنعين لها في الوقت الحالي، مثل شركة كونستراكشنز-  ثري دي (Constructions-3D ) الفرنسية والشركة الهولندية إم اكس ثري دي (MX3D).

مواد البناء المستقبلية

يمهد الابتكار التكنولوجي أيضا الطريق لظهور مواد بناء جديدة ستحدث ثورة في قطاع البناء. في بعض الحالات، كما هو الحال مع الخرسانة ذاتية المعالجة ، تقدم هذه التقنيات حلول للمشاكل طويلة الأمد. وتعد هذه الخرسانة واحدة من أكثر المواد المستخدمة على نطاق واسع في هذا القطاع ، حيث يمكن أن يسبب الاسمنت المشاكل الأساسية لظهور الشقوق. يقدم الاسمنت المعالج ذاتيا حل لهذه المشكلة بفضل الكبسولات الصغيرة الموجودة داخل المادة، بحيث أنه عندما يتحد مع الماء، ينتج الحجر الجيري، وذلك بفضل البكتيريا المتضمنة فيه، مما يؤدي إلى انسداد الشقوق.

تعد ألياف الكربون المغير الأساسي المحتمل لمواد البناء. فهو أقوى خمس مرات من الفولاذ و يزن ثلث وزنه فقط، فهو متين ومرن ، مما يعني أنه من السهل تحوله إلى أي شكل مطلوب.  كما يتميز بأنه مقاوم للطقس القاسي بما في ذلك الرياح العاتية ، مما يجعله مناسبا للبيئات ذات الطقس المتقلب مثل الأعاصير والزوابع التي قد تسبب الدمار.

ومن المواد الأخرى التي تحتاج إلى إلقاء الضوء عليها هي الهلام الهوائي، وهي مادة تشبه الهلام والتي توصف بأنها بديل صديق للبيئة تستخدم في عمليات العزل، فهي مادة أكثر فعالية بأربعة أضعاف من الألياف الزجاجية، والخرسانة المقاومة للصدمات، والجرافين، وهي مادة خفيفة الوزن للغاية و أقوى 200 مرة من الفولاذ.

استخدام التكنولوجيا العقارية في الشرق الأوسط

بدأت الشركات في دول مجلس التعاون الخليجي ببطء في تبني التقنيات التي أحدثت ثورة في مجال العقارات. أظهر مسح أجرته مصرف أتش أس بي سي HSBC ) ) حول اتجاهات شراء المنازل في الإمارات العربية المتحدة أن 67 ٪ تحققوا من قيمة منازلهم ، و 64 ٪  قيموا أسعار العقارات المحتمل شراؤها و 72 ٪ من المشترين أجروا بحثا عن العقارات، وكل ذلك تم عبر الإنترنت، قبل شراء منزل. وسيتعين على السماسرة أن يتكيفوا مع الطرق الجديدة التي يشارك فيها السكان الذين لديهم القدرة على استخدام التكنولوجيا الرقمية في المعاملات العقارية اليوم.

تلعب الإمارات العربية المتحدة دور ريادي في استخدام وانتشار التكنولوجيا العقارية، حيث أعلنت إمارة دبي أنها تسعى إلى تطبيق تقنية سلسة التكتل (Blockchain) بحلول عام 2021 في إدارة جميع الوثائق الحكومية، بما في ذلك تلك المتعلقة بقطاع العقارات. توفر هذه التقنية حلاً آمنًا وشفافًا لإدارة الوثائق الحساسة، وتحمي جميع الأطراف من التعرض لمخاطر مثل الاحتيال وسرقة الهوية ، فضلاً عن تقليل التكاليف التي تنطوي عليها المعاملة. ومع استخدام هذه التقنية، ستصبح سندات الملكية والتراخيص الورقية شيئًا من الماضي. وتوصف سلسة التكتل أيضا بأنها أداة للتمويل الجماعي، وإعطاء الشركات الناشئة التي تستخدم تقنية  سلسة التكتل القدرة على تقديم عملتها الخاصة للاستثمارات - يتم شراؤها من قبل المستثمر مقابل بعض السلع - سواء كان المال، أو العملات الأجنبية أو العملات الرقمية. يمكن عندئذٍ تعقب هذه الاستثمارات رقميًا وتداولها فيما يعرف بالعرض الأولي للعملة.  تعد شركة بيت رينت (BitRent) أحد المبتكرين في هذا المجال، حيث تسعى إلى مساعدة الشركات في الحصول على التمويل لمشاريع البناء، على الرغم من أن الإقبال في المنطقة لم يظهر بعد.

وبالمثل، تستثمر المملكة العربية السعودية في قطاع التكنولوجيا العقارية، كجزء من خطط التنويع واسع النطاق التي وضعتها في خطة رؤية 2030. لدى السعودية حاليًا خطط جارية لإنشاء مدينة ذكية، على غرار شركة جوجل التي تعتزم عمل نفس الشيء في تورونتو. من المقرر أن تكون المدينة منطقة حرة تعمل باستخدام الروبوتات للقيام بوظائف حيوية مثل الأمن وتقديم الخدمات اللوجستية وتوصيل الطلبات للمنازل، بينما يتم تشغيلها فقط بطاقة الرياح والطاقة الشمسية. إن الدافع وراء أنشاء هذا المشروع هو أن تصبح المملكة العربية السعودية رائدة في استخدام وتطوير وتنفيذ التقنيات من الطباعة ثلاثية الأبعاد، وتقنية إنترنت الأشياء، والروبوتات ، والطاقة المتجددة وتكنولوجيا النانو.

مع نمو قيمة صناعة التكنولوجيا العقارية من 221 مليون دولار (811.73 مليون درهم) في عام 2012 إلى أكثر من 2 مليار دولار في عام 2016 ومتوقع أن تستمر في الارتفاع ، فإن أسواق الشرق الأوسط مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية سيكون لها دورا أساسيا في هذا القطاع. يتوقع خبراء الصناعة أن يكون تأثير التكنولوجيا العقارية في القطاع العقاري مثل تأثير التكنولوجيا المالية في القطاع المصرفي. ما نشهده الآن في هذه الصناعة مجرد غيض من فيض، ويمكننا أن نتوقع حدوث المزيد من الاضطراب في جميع أنحاء قطاع العقارات، حيث أن الابتكارات التي تعتمد على التكنولوجيا تستمر في إحداث ثورة في قطاع البناء والعقارات بأكمله.

 

[1] https://www.forbes.com/sites/forbestechcouncil/2018/07/31/how-technology-is-changing-the-real-estate-market/#1077d3c26d06

 

تعليقات (0)

تعليقات

إضافة تعليق جديد

المؤلف
الدكتور مارك نسيم
شريك ومدير تنفيذي
التصنيفات
تكنولوجيا

RSS Feed