القطاعات الصناعية الخمسة التي تبقي دول مجلس التعاون الخليجي موجودة على الخريطة الدولية

تطورت دول مجلس التعاون الخليجي لتصبح مركزاً من مراكز التجارة الدولية. فبدءاً من مراكز الخدمات اللوجستية الذائعة الصيت عالمياً في دولة الإمارات العربية المتحدة وصولاً إلى التطورات الرائدة للمملكة العربية السعودية في مجال الطاقة المتجددة، أسست دول مجلس التعاون الخليجي بعضاً من المراكز الرئيسية في العالم على امتداد صناعات عدة. نقدم فيما يلي لمحة عن أهم خمسة قطاعات ترسي من خلالها دول مجلس التعاون الخليجي معايير مبتكرة ورائدة.  

 

  1. قطاع الطاقة

مجلس التعاون الخليجي موطنٌ لشركة أرامكو السعودية. إذ تُعدُّ هذه الشركة العاملة في مجالي النفط والغاز أهم الشركات العالمية وأضخمها مردوداً. هذا وأظهرت أرقام مسربة حديثاً أن هذه الشركة أكثر جنياً للأرباح من شركة آبل. ورغم مواصلتها إنتاج مليارات براميل النفط سنوياً، تمضي المملكة العربية السعودية قدماً في خططها الرامية إلى التنويع الاقتصادي كجزء من خطتها المعروفة باسم رؤية 2030. وفي إطار تلك الجهود، تدفع أرامكو بالعديد من المشاريع المبتكرة التي تحرص على بقاء المملكة متصدرة الركب في قطاع الطاقة. وكجزء من التزامها بتطوير القطاع الخاص، تعكف أرامكو حالياً على بناء مدينة الملك سلمان للطاقة في المنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية. ويتوقع لهذا المركز الصناعي العالمي للخدمات التصنيعية المرتبطة بالطاقة أن يجتذب عدداً من أضخم الأسماء العالمية في مجال الطاقة وأكثرها ابتكاراً. ومن المتوقع أن تضيف هذه المدينة إلى الناتج المحلي الإجمالي للمملكة حوالي 22.5 مليار ريــال سعودي سنوياً بحلول عام 2025.

وبإدراكها العميق للإمدادات المحدودة من النفط، قامت المنطقة بالاستثمار في تطوير قطاع الطاقة المتجددة أيضاً. إذ تمتلك دولة الإمارات العربية المتحدة أحد المشاريع الأكثر طموحاً في المنطقة. فعلى سبيل المثال، تعتبر محطة شمس للطاقة الشمسية في أبوظبي أول محطة توليد ضخم للطاقة الشمسية في الشرق الأوسط، وبدورها أعلنت هيئة كهرباء ومياه دبي مؤخراً عن أضخم منشأة طاقة شمسية مُركَّزة في العالم مسجلة رقماً قياسياً بتقديمها أقل سعر تكلفة إنتاجية لمنشأة للطاقة الشمسية المركزة بقيمة 7.3 سنت للكيلوواط الساعي. وبحلول عام 2050، تخطط دولة الإمارات العربية المتحدة لإنتاج 44% من طاقتها من خلال مصادر متجددة. وعلى نحو مشابه، تلتزم المملكة العربية السعودية بقطاع الطاقة المتجددة حيث دخلت في وقت سابق من هذا العام في تعاون لخمس سنوات بقيمة 25 مليون دولار مع معهد ماستشوستس للتكنولوجيا.

 

  1. قطاع النقل والخدمات اللوجستية

وفيما يتصل بقطاع النقل والخدمات اللوجستية، يعتبر مجلس التعاون الخليجي مركزاً مهماً في السوق العالمية؛ ويعود نجاحه في هذا المجال إلى إستراتيجيات التنويع الحكومية. فباستغلالها الطرق التجارية بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، أدى استثمار دولة الإمارات العربية المتحدة في بناها التحتية، من موانئها إلى مطاراتها وطرقها، إلى تعزيز موقعها في العالم كمركز خدمات لوجستية رائد. إذ نمت شركة موانئ دبي العالمية، التي تأسست عام 1999، لتصبح اليوم رابع أضخم شركة تشغيل للموانئ في العالم وذلك من خلال عمليات الاستحواذ بدرجة أساسية. ومن خلال محفظة متنامية تضم 70 ميناء بحرياً وداخلياً على امتداد ست قارات في أسواق سريعة النمو، تواصل الشركة سيرها في إستراتيجيتها القائمة على التوسع العالمي. وقد ازدادت أرباحها بنسبة 7% في عام 2017 لتصل إلى قرابة 1.2 مليار دولار. وفي مثال على كيفية تبوء إحدى شركات دول مجلس التعاون الخليجي موقع الصدارة في السوق، أعلنت موانئ دبي العالمية عن استثمارها في تكنولوجيا الهايبرلوب. وباعتبار الهايبرلوب من بنات أفكار إيلون ماسك، يمكن لهذا الشكل الجديد من النقل أن يحدث بسرعات تصل إلى 1.200 كلم في الساعة متيحاً توفيراً قياسياً للوقت في عمليات شحن البضائع. وإذا ما كُتِب النجاح لذلك المسعى، ستكون موانئ دبي العالمية من بين أولى الشركات العالمية التي تطبق تكنولوجيا الهايبرلوب.

ومن اللاعبين الآخرين البارزين في سوق الخدمات اللوجستية محطة الحاويات في ميناء خليفة التي تديرها شركة مرافئ أبوظبي، التي احتلت في عام 2015 المركز الثاني في قائمة شركة "ألفا لاينر" لأسرع 110 موانئ نمواً في العالم؛ وشركة أجيليتي الكويتية للخدمات اللوجستية الموجودة ضمن أفضل عشر شركات عالمية. كما يحتل مجلس التعاون الخليجي الصدارة في النقل الجوي أيضاً. وفي هذا المجال، يعتبر نجاح شركة طيران الإمارات_ أضخم وأفضل شركات الطيران العالمية والحائزة على العديد من الجوائز_ نجاحاً راسخاً. وقد كانت هذه الشركةُ الشركةَ الأولى والوحيدة التي تقوم بتشغيل طائرتي إيرباص A380 وبوينغ 777 في رحلاتها الخاصة بالركاب. وحازت الاتحاد للطيران على نصيبها من الجوائز أيضاً، وتعمل هاتان الشركتان سوية على جعل المنطقة رائدة في النقل الجوي واضعتان بذلك معايير جديدة لتجارب السفر وخدمة الزبائن.

وباعتمادها على صعود التجارة الإلكترونية، أضحت شركة "أرامكس" واحدة من شركات الشحن الرائدة في الأسواق الناشئة. وقد سمح لها استخدام التكنولوجيا والإسناد الخارجي للأعمال إلى إرباك اللاعبين الراسخين في هذا السوق والنمو بشكل أسرع من منافسيها مواكبة بذلك متطلبات المتسوقين الإلكترونيين الأكثر تطلباً.

 

  1. قطاع الرعاية الصحية

الرعاية الصحية هي قطاع تفضي فيه مسائل اجتماعية معينة إلى مشاكل صحية فريدة. إذ تؤدي التركيبة السكانية الآخذة بالشيخوخة والتركيبة السكانية المتنامية، مع ما يصاحب ذلك من زيادة في الأمراض المزمنة، إلى زيادة الطلب على هذا القطاع، مما يدفع باتجاه استثمار حكومي كبير لإرساء خدمات شفافة ويسيرة وآمنة ومتناسبة مع الحاجات الشخصية تُمكِّن المرضى من اتخاذ قرارات على قدر من الاطلاع لتحسين صحتهم. ومن القضايا الصحية الأبرز في دول مجلس التعاون الخليجي:

  • الأمراض الوراثية: تنفق البلدان العربية، وفقاً للمركز العربي للدراسات الجينية ومقره دبي، حوالي 30 مليار دولار سنوياً على مواطنيها الذين يعانون من أمراض وراثية جينية.
  • البدانة: يتوقع أن يزداد الإنفاق على الرعاية الصحية في دولة الإمارات العربية المتحدة إلى أكثر من الضعف ليصل إلى 47.5 مليار دولار بحلول عام 2040 مع اشتداد وطأة السمنة على الصحة في البلاد وفقاً لأحدث دراسة قام بها مشروع العبء العالمي للمرض.
  • السكري: كشفت أرقام مرض السكري الصادرة عن المؤسسة الدولية للسكري أن 17.3% من سكان الإمارات العربية المتحدة في عام 2017 والذين تتراوح أعمارهم بين 20 و 79 سنة مصابون بالسكري من النوع الثاني، الأمر الذي يضع البلاد في المرتبة 15 على مستوى العالم من حيث معدل الانتشار المقترن بالعمر.

واليوم يعمل القطاع على مواكبة التحول الرقمي، وتزامناً مع الحاجة إلى الكثير من الاستثمار لتوفير الخدمات المطلوبة، تتطلع الحكومة قدماً وتعمل على تطبيق تقنيات القرن الحادي والعشرين من أجل تطوير التشخيص والعلاج والرعاية. ومن الأمثلة على الاستثمارات في هذا القطاع: الذكاء الاصطناعي والأجهزة الرقمية وغيرها من التقنيات لتمكين توفير الخدمات عن بعد.

 

  1. قطاع التجزئة

أصبح مجلس التعاون الخليجي مركزاً عالمياً للاستهلاك بفضل البترودولار إجمالاً إضافة إلى عوامل متعلقة بالتركيبة السكانية في المنطقة. وأفادت التقارير إلى أن المستهلكين العرب قد أنفقوا حوالي 320 مليار دولار على الأزياء الفاخرة فقط في عام 2016، ومن المتوقع لهذا الرقم أن يصل إلى 490 مليار دولار بحلول عام 2019. ولوحظ إقبال المنطقة على الأزياء مؤخراً بإطلاق مجلة "فوغ العربية" الخاصة بالأزياء. ويمكننا القول بأنه لم يحقق أحد النجاح الكبير الذي حققته دبي في قطاع التجزئة. إذ اجتذبت المدينة على مر عقود المتسوقين من جميع أنحاء المنطقة. هذا ويجتذب إنشاء مراكز التسوق الرائدة في العالم مثل دبي مول المتسوقين من كافة أنحاء العالم في ظل تقاطر للمتسوقين الصينيين والروس إلى مراكز التسوق هذه بالحافلات السياحية. وتكمن خلف نجاح قطاع الاستهلاك عدة شركات تجارية عملاقة في قطاع التجزئة من مختلف أرجاء المنطقة. جلبت شركة الشايع الكويتية أكثر من 90 علامة تجارية إلى المنطقة، بما في ذلك شركات مثل ستاربكس، وإتش& أم، وبوتس على سبيل المثال لا الحصر. وعلى نحو مشابه، جلبت شركة فواز الحكير، التي تقدم خدماتها في المملكة العربية السعودية وخارجها، العديد من العلامات التجارية الشهيرة إلى المنطقة مثل زارا وبيرشكا وألدو ولا سينزا. وتطول القائمة مع مجموعة أباريل ومجموعة شلهوب، وغيرهما الكثير.

 

  1. قطاع العقارات

اشتهر مجلس التعاون الخليجي بمشاريعه العقارية الطموحة في سياق تلبيته للطلب على كل من المساحة التجارية والمساكن. وتعتبر شركة إعمار التي قامت بتطوير مول دبي واحدة من كبريات شركات التطوير العقاري في العالم، وقُدِّرت قيمتها في عام 2017 بحوالي 14.6 بليون دولار. ومن خلال تواجدها في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، أعلنت الشركة عن زيادة في الإيرادات خلال الأشهر الثلاثة الأولى في عام 2018 بنسبة تصل إلى 37% وتُقدَّر بـ 5.59 مليار درهم إماراتي. وتعد شركة ماجد الفطيم لاعباً رئيسياً آخر في سوق العقارات والاستهلاك بالتجزئة حيث لها وجود في الشرق الأوسط وأفريقيا وتمتلك 21 مركز تسوق في 15 سوق وتوظف 40 ألف شخص.

ما الذي يعنيه ذلك كله بالنسبة للشركات العالمية والمستثمرين العالميين؟

رغم أن اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي لا يشكل إلا جزءاً صغيراً من إجمالي الاقتصاد العالمي، يمكن لبعض الشركات في المنطقة أن تؤثر بشكل كبير على نجاح مورديها وشركائها التجاريين. ويتميز هذا التأثير بأنه تأثير مالي، نظراً للموارد المالية الضخمة لتلك الشركات، وتأثير متعلق بالسمعة نظراً إلى المستوى الرفيع لبعض اللاعبين في قطاعاتها التجارية. وسيكون هذا التأثير كبيراً على أية شركة ناشئة صغيرة يمكن أن تصل إلى مثل أولئك العملاء المرموقين والمتمولين على نحو جيد.

يقصد العديد من رجال الأعمال، المتعطشين إلى رأس المال، منطقة الشرق الأوسط بحثاً عن الاستثمار أو عن عملاء لشركاتهم. وفي حين أنه قد يكون من المغري أن يتاح للمستثمر فرصة حصرية بالشراكة مع شركة عالمية ناجحة، لا بد للمستثمرين العرب أن يتوخوا الحذر لكي لا يقعوا ضحية "الاختيار السلبي." وفي هذه الحالة، يعني الاختيار السلبي أن يتم استهدافك من قبل شركة تكابد المشقة في العثور على عملاء أو مستثمرين في سوقها المحلية. وفي سبيل وضع التعاون الصحيح في سياقه، تحتاج الشركات الدولية إلى إثبات نجاحها في سوقها المحلية قبل المغامرة على نطاق أوسع بما في ذلك في الشرق الأوسط. ويجب أن تكون التجارب الناجحة في الوطن قابلة للتطبيق والتكيف مع أسواق مجلس التعاون الخليجي.

فليس بالضرورة أن تكون جميع المنتجات والحلول الصالحة في كاليفورنيا أو فرنسا قابلة للتطبيق في دبي مثلاً. وبالمقابل، يتوقف نجاح بعض الشركات بشكل كبير على أسواقها المحلية. فعلى سبيل المثال، قد لا تحتاج بعض شركات "التكنولوجيا العميقة" التي تظهر في كاليفورنيا، من أجل تزويد شركات التكنولوجيا الفائقة الأخرى بالخدمات، إلا إلى الوصول إلى عدد قليل من العملاء في وادي السيليكون، وبعدها ستكون الصين سوقها التالية ذات الصلة.

من ناحية أخرى، إذا ما كانت إحدى الشركات تقدم حلاً فريداً لإدارة مراكز التسوق، فسيكون من الخطأ عدم إدراج شركتي إعمار أو ماجد الفطيم على رأس شركائها المحتملين على صعيد العالم. وعلى نحو مشابه، إذا سعت شركة للتكنولوجيا الصحية إلى تغيير الطريقة التي تتم بموجبها معالجة بعض الأمراض الوراثية، قد تكون دول مجلس التعاون الخليجي مكاناً طبيعياً للانطلاق والبرهان على ذلك.

ومن الأمثلة في قطاع الخدمات اللوجستية، تعتبر شركة What3Words شركة ناشئة رائدة في المملكة المتحدة قامت بتخطيط العالم عن طريق تقسيمه إلى مساحات 3X3 متر مربع مستخدمة خوارزمية احتكارية، تم تعيينها بواسطة مجموعة من ثلاثة كلمات فريدة في قائمة طويلة ومتنامية من اللغات. يتناول هذا الحل عدداً من المعضلات اللوجستية من بينها:

  • 75% من العالم لا توجد لديه عناوين فريدة (مثل "10 دوانينج ستريت") وإنما يعتمد عناوين وصفية ("بين ليبرتي هاوس وأبراج سنترال بارك").
  • بل حتى العناوين الفريدة ليست فريدة من نوعها: إذ يمكن العثور على شارع ألنبي في بيروت وكانبيرا ومانشستر وهاملتون في نيوزيلندا، وغيرها الكثير من الأمثلة.
  • يمكن الخلط بين العناوين الفريدة بسبب مشاكل التهجئة والنطق مما يجعل من الصعب التواصل باستخدام الصوت أو الكتابة.
  • من بين الحلول الفعالة استخدام نظام التموضع العالمي (GPS)، ولكن هذا الحل غير فعال للتواصل بين البشر أو حتى التواصل بين البشر والآلات.

عندما استثمرت أرامكس في شركة What3Words، قامت بإدراجها في تطبيق التوصيل من أجل جعل تحديد المتسوقين في دول مجلس التعاون الخليجي لعناوين التوصيل الخاصة بهم أمراً أكثر يسراً. ولكن، ساعدت هذه الشراكة الاستثمارية والتجارية أيضاً في زيادة بروز شركة W3W. وبدورها قامت شركة دايملر باستثمار أكبر، وهي تقوم حالياً بإضافة W3W إلى أنظمة التنقل في السيارة مما يساعد السائقين على إدخال العناوين صوتياً وبطريقة سهلة الاستخدام.

وهكذا، في الوقت الذي تمثل فيه دول مجلس التعاون الخليجي اقتصاداً صغيراً، تبرز بعض الشركات في قطاعاتها الرائدة في مجال الرعاية الصحية وتجارة التجزئة والنقل والخدمات اللوجستية والطاقة والعقارات بكل فخر في الساحة العالمية. وينبغي على المستثمرين الدوليين والشركات والشركات الناشئة التي تنشد النجاح في هذه القطاعات أن تأخذ ذلك بالحسبان وتضع الإستراتيجيات الملائمة للتفاعل مع اللاعبين الإقليميين الفاعلين في هذه القطاعات وإقامة شراكات مفيدة للطرفين.